فصل: بَابُ: الْعِنِّينِ وَغَيْرِهِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.(بَابُ اللِّعَانِ):

قَالَ (إذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا أَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهَا وَطَالَبَتْهُ بِمُوجِبِ الْقَذْفِ فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ) وَالْأَصْلُ أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّهِ وَمَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ} وَالِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْجِنْسِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ} نَصٌّ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ فَقُلْنَا الرُّكْنُ هُوَ الشَّهَادَةُ الْمُؤَكَّدَةُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ قَرَنَ الرُّكْنَ فِي جَانِبِهِ بِاللَّعْنِ لَوْ كَانَ كَاذِبًا وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي جَانِبِهَا بِالْغَضَبِ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا، إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ لابد أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِيهِ الشَّهَادَةُ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هِيَ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا لِأَنَّهُ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْصَانِهَا، وَيَجِبُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى وَلَدَهَا صَارَ قَاذِفًا لَهَا ظَاهِرًا وَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ بِالْوَطْءِ مِنْ شُبْهَةٍ، كَمَا إذَا نَفَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَهُ عَنْ أَبِيهِ الْمَعْرُوفِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّسَبِ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِهِ.
فَنَفْيُهُ عَنْ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ قَذْفٌ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُلْحَقُ بِهِ.
الشَّرْحُ:
بَابُ اللِّعَانِ: قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي أَوَّلِ الظِّهَارِ.
وَاللِّعَانُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ، يُقَالُ لَاعَنَهُ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا، ثُمَّ لُقِّبَ الْبَابُ بِاللِّعَانِ دُونَ الْغَضَبِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْغَضَبُ أَيْضًا لِأَنَّ اللَّعْنَ مِنْ جَانِبِ الرَّجُلِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ، وَفِي الشَّرِيعَةِ شَهَادَاتٌ تَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ وَالْغَضَبِ، وَسَبَبُهُ قَذْفُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ، وَشَرْطُهُ النِّكَاحُ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْقَذْفِ لَا يَجْرِي اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا.
وَرُكْنُهُ الشَّهَادَاتُ الْمَخْصُوصَةُ الَّتِي تَجْرِي بِكَلِمَاتٍ مَعْرُوفَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وَحُكْمُهُ حُرْمَةُ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ كَمَا فَرَغَا مِنْ اللِّعَانِ.
قَالَ (وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) أَيْ مِنْ أَهْلِ أَدَائِهَا وَلِهَذَا لَا يُجْرَى بَيْنَ الْمَمْلُوكَيْنِ (وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا) حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ تَزَوَّجَتْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ وَدَخَلَ بِهَا أَوْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ مَجْهُولُ النَّسَبِ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا (أَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهَا وَطَالَبَتْهُ بِمُوجِبِ الْقَذْفِ فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ) فَإِنْ قِيلَ: اللِّعَانُ يَجْرِي بَيْنَ الْأَعْمَيَيْنِ وَالْفَاسِقَيْنِ وَلَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَتَخْصِيصُ الْمَرْأَةِ بِكَوْنِهَا مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا غَيْرُ مُفِيدٍ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي جَانِبِ الرَّجُلِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ لَا يَجْرِي وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ جَازَ، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا لِئَلَّا يَخْلُوَ الْقَذْفُ عَنْ إيجَابِ حُكْمٍ، فَإِنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الرَّجُلَ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ لِأَنَّ اللِّعَانَ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ يَقْتَضِي إحْصَانَهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَقَذَفَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ، فَلَمْ يَخْلُ الْقَذْفُ عَنْ إيجَابِ حُكْمٍ.
وَقَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ) اعْلَمْ أَنَّ مُوجَبَ قَذْفِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ كَانَ حَدَّ الْقَذْفِ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةَ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إذْ دَخَلَ أَنْصَارِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَإِنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ» وَلِأَنَّهُ «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ: ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك وَإِلَّا تُجْلَدُ عَلَى ظَهْرِك فَقَالَ الصَّحَابَةُ: الْآنَ يُجْلَدُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ»، فَثَبَتَ أَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ فِي الزَّوْجَةِ كَانَ الْحَدَّ ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِاللِّعَانِ، فَنَظَرْنَا فِي آيَةِ اللِّعَانِ فَوَجَدْنَاهَا دَالَّةً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللِّعَانِ أَنْ يَكُونَ شَهَادَاتٍ مُؤَكَّدَاتٍ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةً بِاللَّعْنِ قَائِمَةً مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَمَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْأَزْوَاجَ مِنْ الشُّهَدَاءِ.
وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجِنْسِ، وَلَا شُهَدَاءَ إلَّا بِالشَّهَادَةِ وَلَا شَهَادَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إلَّا كَلِمَاتُ اللِّعَانِ فَدَلَّ أَنَّهَا شَهَادَاتٌ أُكِّدَتْ بِالْأَيْمَانِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ} نَصَّ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ، فَقُلْنَا: الرُّكْنُ هُوَ الشَّهَادَةُ الْمُؤَكَّدَةُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ قَرَنَ الرُّكْنَ فِي جَانِبِهِ بِاللَّعْنِ لَوْ كَانَ كَاذِبًا تَأْكِيدًا وَهُوَ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي جَانِبِهَا بِالْغَضَبِ لِأَنَّهُنَّ يَسْتَعْمِلْنَ اللَّعْنَ فِي كَلَامِهِنَّ كَثِيرًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّهُنَّ يُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» وَسَقَطَتْ حُرْمَةُ اللَّعْنِ عَنْ أَعْيُنِهِنَّ فَعَسَاهُنَّ يَجْتَرِئْنَ عَلَى الْإِقْدَامِ لِكَثْرَةِ جَرْيِ اللَّعْنِ عَلَى أَلْسِنَتِهِنَّ وَسُقُوطِ وَقْعِهِ عَنْ قُلُوبِهِنَّ فَقَرَنَ الرُّكْنَ فِي جَانِبِهَا بِالْغَضَبِ رَدْعًا لَهُنَّ عَنْ الْإِقْدَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى إقَامَةِ الشَّهَادَةِ مَقَامَ الْحَدِّ فِي الطَّرَفَيْنِ وَمَا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِّ وَالشَّهَادَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدَّ زَاجِرٌ، وَالِاسْتِشْهَادَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا مَقْرُونًا بِاللَّعْنِ عَلَى نَفْسِهِ سَبَبُ الْهَلَاكِ، وَفِي ذَلِكَ زَجْرٌ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى سَبَبِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ اللِّعَانُ قَائِمًا فِي حَقَّةِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ يَجْرِي كَجَرَيَانِهِ فِي الِاتِّحَادِ وَالتَّعَدُّدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ قَذَفَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ لَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي كَلَامٍ مُتَفَرِّقٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُلَاعِنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّاتٍ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهُنَّ مَرَّةً وَاحِدَةً.
أُجِيبَ بِأَنَّ اللِّعَانَ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ بِقَذْفِ امْرَأَتِهِ لَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ صَارَ بَدَلًا عَمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِقَذْفِهَا فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْأَجْنَبِيَّاتُ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ دَفْعُ عَارِ الزِّنَا عَنْهُنَّ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِقَامَةِ حَدٍّ وَاحِدٍ، وَهَاهُنَا لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِلِعَانٍ وَاحِدٍ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُنَّ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ، فَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي حَقِّ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَالْمَقْصُودُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِلِعَانِ بَعْضِهِنَّ فَيُلَاعِنُ كُلًّا مِنْهُنَّ عَلَى حِدَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ كَانَ عَلَيْهِ لَهُنَّ حَدٌّ وَاحِدٌ لِأَنَّ مُوجَبَ قَذْفِهِنَّ الْحَدُّ حِينَئِذٍ، وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّاتِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَنَا لِأَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ اللِّعَانَ أَيْمَانٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالشَّهَادَةِ، فَمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْيَمِينِ كَانَ أَهْلًا لِلِّعَانِ.
قَالَ (إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ نَقُولُ (لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُتَلَاعِنَانِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِيهِ الشَّهَادَةُ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا لِأَنَّهُ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِحْصَانِ، وَيَجِبُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى وَلَدَهَا صَارَ قَاذِفًا لَهَا) كَمَا إذَا نَفَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَ وَلَدٍ عَنْ أَبِيهِ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا لِلْمَرْأَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا (وَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِهِ بِالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّسَبِ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِهِ، فَنَفْيُهُ عَنْ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ قَذْفٌ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُلْحَقُ بِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِيرُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ قَاذِفًا لَهَا مَا لَمْ يَقُلْ وَإِنَّهُ مِنْ الزِّنَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ الَّذِي وَلَدْته مِنْ زَوْجِك فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ قَاذِفًا مَا لَمْ يَقُلْ وُلِدَ مِنْ الزِّنَا بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ لِضَرُورَةٍ فِي اللِّعَانِ، لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ بِأَنْ لَمْ يَطَأْهَا أَوْ عَزَلَ عَنْهَا عَزْلًا بَيِّنًا وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بِزِنًا أَوْ بِوَطْءٍ عَنْ شُبْهَةٍ فَاكْتَفَى بِنَفْيِ الْوَلَدِ حَتَّى يَنْتَفِيَ عَنْهُ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ مَعْدُومَةٌ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ. وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا لِأَنَّهُ حَقُّهَا فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ فَيُحْبَسُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ (وَلَوْ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ) لِمَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي (فَإِنْ امْتَنَعَتْ حَبَسَهَا الْحَاكِمُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى إيفَائِهِ فَتُحْبَسُ فِيهِ.
الشَّرْحُ:
(وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا بِمُوجَبِ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ حَقُّهَا) لِأَنَّهُ بِاللِّعَانِ يَنْدَفِعُ عَارُ الزِّنَا عَنْهَا (فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنْ اللِّعَانِ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ فَيُحْبَسُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ) وَفِي نُسْخَةٍ: لِيَرْتَفِعَ الشَّيْنُ، وَمَعْنَى النُّسْخَةِ الْأُولَى لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ: أَيْ سَبَبُ اللِّعَانِ: أَيْ عِلَّتُهُ وَهُوَ التَّكَاذُبُ لِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا أَكْذَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ فِيمَا يَدَّعِيهِ بَعْدَ قَذْفِ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا؛ وَأَمَّا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَلَمْ يَبْقَ التَّكَاذُبُ بَلْ وَافَقَ الْمَرْأَةَ فِي أَنَّهَا لَمْ تَزْنِ وَلَا يَجْرِي اللِّعَانُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النُّسْخَةُ الْأُخْرَى فَقِيلَ إنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عَلَى زَعْمِ أَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ لَا يَرْتَفِعُ بِالْإِكْذَابِ بَلْ يَتَقَرَّرُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْإِكْذَابِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْقَذْفِ لَكِنْ يَرْتَفِعُ الشَّيْنُ بِالتَّكَاذُبِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِالسَّبَبِ الشَّرْطَ لِأَنَّ التَّكَاذُبَ شَرْطُ اللِّعَانِ: قِيلَ قَوْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَدْيُونِ الْمُفْلِسِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى إيفَائِهِ فَلَا يُحْبَسُ (وَلَوْ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ لِمَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ} وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي) بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَاتٌ وَالْمُطَالِبُ بِهَا هُوَ الْمُدَّعِي وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى لَكِنَّ كَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ الْمَتْلُوُّ مِنْ النَّصِّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَبْدُوءِ بِهِ فَقَالَ إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) ظَاهِرٌ. (وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ فَيُصَارُ إلَى الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةَ، وَاللِّعَانُ خَلَفٌ عَنْهُ.
الشَّرْحُ:
(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا) بِأَنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَأَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَقَذَفَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ (أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ (فَيُصَارُ إلَى الْمُوجَبِ الْأَصْلِيِّ) وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ (الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةَ) فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ الْمَشْرُوعُ أَوَّلًا ثُمَّ صَارَ اللِّعَانُ خَلَفًا عَنْهُ فِي قَذْفِ الزَّوْجِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرَائِطِ، فَإِذَا عُدِمَتْ صِيرَ إلَى الْأَصْلِ. (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ أَمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ أَوْ مَحْدُودَةٌ فِي قَذْفٍ أَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا) بِأَنْ كَانَتْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ زَانِيَةً (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ) لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَعَدَمِ الْإِحْصَانِ فِي جَانِبِهَا وَامْتِنَاعِ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا فَيَسْقُطُ الْحَدُّ كَمَا إذَا صَدَّقَتْهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ: الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّة تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ» وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ امْتِنَاعَ اللِّعَانِ بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ إذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ) هُوَ (مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ: الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ») قِيلَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْلٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي إلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ: كَفَى بِأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ لِعَدَالَتِهِ وَضَبْطِهِ وَفِقْهِهِ مُقْتَدًى (وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّ امْتِنَاعَ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا اُعْتُبِرَ جَانِبُهَا أَيْضًا وَهِيَ مَحْدُودَةٌ فِي الْقَذْفِ دَرْءًا لِلْحَدِّ؟.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَانِعَ عَنْ الشَّيْءِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَانِعًا إذَا وُجِدَ الْمُقْتَضَى لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَنْتَفِي بِهِ الْحُكْمُ مَعَ قِيَامِ مُقْتَضِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ وَهُوَ اللِّعَانُ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ وَالْقَذْفُ فِي نَفْسِهِ مُوجِبٌ الْحَدَّ فَيُحَدُّ، بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ الْأَهْلِيَّةُ مِنْ جَانِبِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لَهُ، فَإِذَا ظَهَرَ عَدَمُ أَهْلِيَّتِهَا بِكَوْنِهَا مَحْدُودَةً فِي قَذْفِهِ بَطَلَ الْمُقْتَضَى فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ بَلْ انْعَقَدَ اللِّعَانُ وَلَا لِعَانَ لِبُطْلَانِهِ بِالْمَانِعِ.
وَنُوقِضَ بِمَا لَوْ قَذَفَ عَبْدَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُكَاتَبَةٌ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ، وَعَلَى قَوَدِ مَا ذَكَرْتُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ وَهُوَ اللِّعَانُ فَيَجِبُ أَنْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْقَذْفَ يُوجِبُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْعَبْدِ شُبْهَةَ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّ لَهُ شَهَادَةً بَعْدَ الْعِتْقِ فَاعْتُبِرَتْ دَرْءًا لِلْحَدِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ. (وَصِفَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي بِالزَّوْجِ فَيَشْهَدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا.
يُشِيرُ إلَيْهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ثُمَّ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا.
وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا) وَالْأَصْلُ فِي مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ النَّصِّ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَأْتِي بِلَفْظَةِ الْمُوَاجَهَةِ يَقُولُ فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ الزِّنَا لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلِاحْتِمَالِ.
وَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ لَفْظَةَ الْمُغَايَبَةِ إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهَا الْإِشَارَةُ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ.
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ (وَصِفَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي) صِفَةَ اللِّعَانِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ. قَالَ (وَإِذَا الْتَعَنَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ بِتَلَاعُنِهِمَا لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِالْحَدِيثِ.
وَلَنَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ يُفَوِّتُ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَلْزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ ذَلِكَ الْمُلَاعِنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا، هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، قَالَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ (وَتَكُونُ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي انْتَسَبَ إلَيْهِ كَمَا فِي الْعِنِّينِ (وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ) عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» نَصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الْإِكْذَابَ رُجُوعٌ وَالشَّهَادَةُ بَعْدَ الرُّجُوعِ لَا حُكْمَ لَهَا، لَا يَجْتَمِعَانِ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَمْ يَبْقَ التَّلَاعُنُ وَلَا حُكْمُهُ بَعْدَ الْإِكْذَابِ فَيَجْتَمِعَانِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (فَإِذَا الْتَعْنَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّلَاعُنِ قَبْلَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ تَوَارَثَا (وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِتَلَاعُنِهِمَا لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِالْحَدِيثِ) يَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» نَفَى الِاجْتِمَاعَ بَعْدَ التَّلَاعُنِ، وَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بِالتَّلَاعُنِ, وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ (أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ يُفَوِّتُ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَلْزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ) وَقَوْلُهُ (دَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنْ لَا تَقَعَ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْقَاضِي، وَلَوْ قَالَ دَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا كَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ «قَوْلُ ذَلِكَ الْمُلَاعِنِ يُرِيدُ بِهِ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ اللِّعَانِ: كَذَبْت عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتهَا هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا لَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ «اذْهَبْ فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُنْصَرِفٌ إلَى طَلَبِهِ رَدَّ الْمَهْرِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «إنْ كُنْت صَادِقًا فَهُوَ لَهَا بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا».
وَالْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِ زُفَرَ بِالْحَدِيثِ يَجِيءُ (ثُمَّ إذَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ تَكُونُ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي انْتَسَبَ إلَيْهِ لِنِيَابَتِهِ عَنْهُ كَمَا فِي الْعِنِّينِ) وَقَوْلُهُ (وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمَا) مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ) أَيْ الثَّابِتُ بِاللِّعَانِ (تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا») نَصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَهُوَ يُنَافِي عَوْدَهُ خَاطِبًا.
(وَلَهُمَا أَنَّ الْإِكْذَابَ) أَيْ الْإِقْرَارَ بِالْكَذِبِ (رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ) وَالرُّجُوعُ عَنْهَا يُبْطِلُ حُكْمَهَا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَصِّ التَّأْبِيدِ وَالْعَوْدِ خَاطِبًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَجْتَمِعَانِ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ مُتَلَاعِنَيْنِ، إمَّا حَقِيقَةً بِمُبَاشَرَتِهِمَا اللِّعَانَ، أَوْ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ حُكْمِهِ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بَعْدَ الْإِكْذَابِ، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهُ لَمَّا أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَبَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ اللِّعَانِ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْأَهْلِيَّةُ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ فَيَجْتَمِعَانِ. (وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ نَفَى الْقَاضِي نَسَبَهُ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) وَصُورَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ، وَكَذَا فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ (وَلَوْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَنَفَى الْوَلَدَ ذَكَرَ فِي اللِّعَانِ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ يَنْفِي الْقَاضِي نَسَبَ الْوَلَدِ وَيُلْحِقُهُ بِأُمِّهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَفَى وَلَدَ امْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ هِلَالٍ وَأَلْحَقَهُ بِهَا» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا اللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ مَقْصُودَهُ، فَيَتَضَمَّنُهُ الْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِي يُفَرِّقُ وَيَقُولُ: قَدْ أَلْزَمْته أُمَّهُ وَأَخْرَجْته مِنْ نَسَبِ الْأَبِ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ (فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ حَدَّهُ الْقَاضِي) لِإِقْرَارِهِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ (وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) وَهَذَا عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ فَارْتَفَعَ حُكْمُهُ الْمَنُوطُ بِهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ (وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ بِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَكَذَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ) لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ مِنْ جَانِبِهَا.
الشَّرْحُ:
(وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ نَفَى الْقَاضِي النَّسَبَ مِنْ الْأَبِ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) وَصُورَةُ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ الرَّجُلَ فَيَقُولَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إلَخْ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا اللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ) حَيْثُ كَانَ الْقَذْفُ بِهِ (فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الزَّوْجِ مَقْصُودَهُ، فَالْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِنَفْيِهِ فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفِيَ الْقَاضِي نَسَبَهُ وَيَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ قَدْ أَلْزَمْته أُمَّهُ وَأَخْرَجْته مِنْ نَسَبِ الْأَبِ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِ النَّسَبُ عَنْهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ نَفْيَ الْوَلَدِ (يَنْفَكُّ عَنْهُ) أَيْ عَنْ التَّفَرُّقِ، إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ بِاللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ وَلَا يَنْتَفِي النَّسَبُ عَنْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَرِّحَ الْقَاضِي بِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْهُ.
رَوَاهُ بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ) بَعْدَ اللِّعَانِ (حَدَّهُ الْقَاضِي لِإِقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً بَعْدَ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْقَذْفِ وَالْبَيْنُونَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ، أَمَّا اللِّعَانُ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِاللِّعَانِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَلَا مَعْنَى لِلِّعَانِ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ قَذْفَهُ كَانَ مُوجِبًا لِلِّعَانِ، وَالْقَذْفُ الْوَاحِدُ لَا يُوجِبُ حَدَّيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَمَا لَاعَنَهَا لِأَنَّ وُجُوبَ اللِّعَانِ هُنَاكَ بِأَصْلِ الْقَذْفِ وَالْحَدِّ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ فَقَدْ نَسَبَهَا فِيهَا إلَى الزِّنَا وَانْتَزَعَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ مِنْهَا بِإِكْذَابِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ هَذَا نَظِيرَ شُهُودِ الزِّنَا إذَا رَجَعُوا. وَأَمَّا فِيمَا قُلْنَا فَلَمْ يُوجَدْ كَلِمَاتُ اللِّعَانِ فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ ثُمَّ أَبَانَهَا بِالتَّطْلِيقَاتِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ بَعْدَ قَذْفِهَا إذَا أَبَانَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَقَوْلُهُ (وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) تَكْرَارٌ لِقَوْلِهِ وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ هُنَاكَ تَفْرِيعًا وَنَقَلَ هَاهُنَا لَفْظَ الْقُدُورِيِّ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ بِهِ) يَعْنِي جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ (وَكَذَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ) لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ مِنْ جَانِبِهَا) فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا جَرَى اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا عُلِمَ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ، وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ إذَا زَنَيَا بَعْدَ إحْصَانِهِمَا رُجِمَا فَحِينَئِذٍ كَانَ قَوْلُهُ فَحُدَّتْ مَعْنَاهُ رُجِمَتْ، فَبَعْدَ ذَلِكَ أَنَّى تَبْقَى مَحَلًّا لِلتَّزَوُّجِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ حُدَّتْ جُلِدَتْ، وَتَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَلَاعَنَا بَعْدَ التَّزَوُّجِ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ إنَّهَا زَنَتْ بَعْدَ اللِّعَانِ فَكَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ دُونَ الرَّجْمِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ إحْصَانِ الرَّجْمِ الدُّخُولَ بَعْدَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يُوجَدْ. (وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، فَكَذَا لَا يُلَاعِنُ الزَّوْجُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ (وَقَذْفُ الْأَخْرَسِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللِّعَانُ) لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالصَّرِيحِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ الشُّبْهَةِ وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِهَا.
الشَّرْحُ:
قَالَ: (وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لَوْ كَانَ الْقَاذِفُ أَجْنَبِيًّا) لِعَدَمِ إحْصَانِهِمَا، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ (فَكَذَا لَا يُلَاعِنُ الزَّوْجُ لِقِيَامِ اللِّعَانِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ) لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَاطَبٍ (وَقَذْفُ الْأَخْرَسِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللِّعَانُ) لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَحَدُّ الْقَذْفِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالصَّرِيحِ فَكَذَلِكَ اللِّعَانُ (وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ) هُوَ يَقُولُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ (وَلَنَا أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَعْرَى عَنْ الشُّبْهَةِ) لِكَوْنِهَا مُحْتَمَلَةً (وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ) وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ. (وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ لَيْسَ حَمْلُك مِنِّي فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِقِيَامِ الْحَمْلِ فَلَمْ يَصِرْ قَاذِفًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: اللِّعَانُ يَجِبُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِقِيَامِ الْحَمْلِ عِنْدَهُ فَيَتَحَقَّقُ الْقَذْفُ.
قُلْنَا: إذَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي الْحَالِ يَصِيرُ كَالْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ بِك حَمْلٌ فَلَيْسَ مِنِّي.
وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا زَنَيْت وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا تَلَاعَنَا) لِوُجُودِ الْقَذْفِ حَيْثُ ذَكَرَ الزِّنَا صَرِيحًا (وَلَمْ يَنْفِ الْقَاضِي الْحَمْلَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْفِيه لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ هِلَالٍ وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا.
وَلَنَا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِتَمَكُّنِ الِاحْتِمَالِ قَبْلَهُ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ قِيَامَ الْحَبَلِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ لَيْسَ حَمْلُك مِنِّي) ظَاهِرٌ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِقِيَامِ الْحَمْلِ عِنْدَهُ لِلْقَذْفِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَذْفَ مِمَّا لَا يُحْلَفُ بِهِ لِإِفْضَائِهِ إلَى إبْقَائِهِ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي ذِمَّةِ الْحَالِفِ، وَفِي ذَلِكَ احْتِيَالٌ لِإِثْبَاتِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا زَنَيْت وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا) رُوِيَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُرَيْصِحَ حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «أُحَيْمِرَ قَصِيرًا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا جُمَالِيًّا فَهُوَ لِشَرِيكٍ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا الْأَيْمَانُ الَّتِي سَبَقَتْ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» (وَلَنَا أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِتَمَكُّنِ الِاحْتِمَالِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ انْفِصَالِ الْوَلَدِ أَوْ قَبْلَ حُصُولِ الْوِلَادَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: بَلْ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَبْلَهَا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ وَلَهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ اللِّعَانَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ فَلَا يُقَامُ مَعَ الشُّبْهَةِ، بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَالْإِرْثُ وَالْوَصِيَّةُ يَتَوَقَّفَانِ عَلَى انْفِصَالِ الْوَلَدِ وَلَا يَتَقَرَّرُ فِي الْحَالِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ قَوْلَهُ الْأَحْكَامُ لَا تَتَرَتَّبُ يُرَادُ بِهِ بَعْضُهَا، وَنَفْيُ الْوَلَدِ مِنْهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ إقَامَةُ الْحَدِّ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ (وَالْحَدِيثُ) أَيْ حَدِيثُ هِلَالٍ (مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ قِيَامَ الْحَبَلِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ) بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا كَانَ كَذَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ.

.نفي الولد عقيب الولادة:

(وَإِذَا نَفَى الرَّجُلُ وَلَدَ امْرَأَتِهِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ أَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّهْنِئَةَ وَتُبْتَاعُ آلَةُ الْوِلَادَةِ صَحَّ نَفْيُهُ وَلَاعَنَ بِهِ وَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَاعَنَ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَصِحُّ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) لِأَنَّ النَّفْيَ يَصِحُّ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ وَلَا يَصِحُّ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَفَصَلْنَا بَيْنَهُمَا بِمُدَّةِ النِّفَاسِ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْوِلَادَةِ.
وَلَهُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ لِأَنَّ الزَّمَانَ لِلتَّأَمُّلِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ فَاعْتَبَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَبُولُهُ التَّهْنِئَةَ أَوْ سُكُوتُهُ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ أَوْ ابْتِيَاعُهُ مَتَاعَ الْوِلَادَةِ أَوْ مُضِيُّ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْ النَّفْيِ.
وَلَوْ كَانَ غَائِبًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوِلَادَةِ ثُمَّ قَدِمَ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْأَصْلَيْنِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا نَفَى الرَّجُلُ وَلَدَ امْرَأَتِهِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ أَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تُقْبَلُ التَّهْنِئَةُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ لَا الْفَاعِلِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الْأَبُ التَّهْنِئَةَ ثُمَّ نَفَى لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (يَصِحُّ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) يَعْنِي إذَا كَانَ حَاضِرًا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ بِمُدَّةٍ لِأَنَّ الزَّمَانَ لِلتَّأَمُّلِ) لِئَلَّا يَقَعَ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ مُجَازِفًا (وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ فَاعْتَبَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَدَمِ النَّفْيِ وَهُوَ قَبُولُهُ التَّهْنِئَةَ أَوْ سُكُوتُهُ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّ الْوَلَدَ لَهُ وَكَذَلِكَ ابْتِيَاعُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِصْلَاحِ الْوَلَدِ عَادَةً، أَوْ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْ النَّفْيِ، وَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ دَلِيلُ الْقَبُولِ لَا يَصِحُّ النَّفْيُ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ ذِكْرُ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا تَرَى.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ فِي هَذِهِ تَسْتَعِدُّ لِلْعَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْعَقِيقَةُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ نَصْبَ الْمِقْدَارِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ.
وَذَكَرَ فِي الشَّامِلِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِثَلَاثَةٍ وَذَلِكَ فِي الضَّعْفِ مِثْلُ الْأَوَّلِ (وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوِلَادَةِ ثُمَّ قَدِمَ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْأَصْلَيْنِ) فَيُجْعَلُ كَأَنَّهَا وَلَدَتْهُ الْآنَ فَلَهُ النَّفْيُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مِقْدَارِ مَا يُقْبَلُ فِيهِ التَّهْنِئَةُ، وَعِنْدَهُمَا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ النِّفَاسِ بَعْدَ الْقُدُومِ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ فَصَارَتْ حَالُ الْقُدُومِ كَحَالِ الْوِلَادَةِ. قَالَ (وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنَفَى الْأَوَّلَ وَاعْتَرَفَ بِالثَّانِي يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا) لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ (وَحُدَّ الزَّوْجُ) لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِدَعْوَى الثَّانِي، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِي يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَاعَنَ لِأَنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْيِ الثَّانِي وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إنَّهَا عَفِيفَةٌ ثُمَّ قَالَ هِيَ زَانِيَةٌ، وَفِي ذَلِكَ التَّلَاعُنُ كَذَا هَذَا.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ) ظَاهِرٌ (وَالْإِقْرَارُ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْقَذْفِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ الْأَوَّلَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ بَاقٍ بَعْدَ نَفْيِ الْوَلَدِ فَيُعْتَبَرُ قِيَامُ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْقَذْفِ بِابْتِدَاءِ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ وُجِدَ الْإِقْرَارُ بَعْدَ النَّفْيِ ثَبَتَ الْإِكْذَابُ وَوَجَبَ الْحَدُّ، فَكَذَا هَاهُنَا.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ حَقِيقَةً وَالِاعْتِبَارُ بِالْحَقِيقَةِ (فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إنَّهَا عَفِيفَةٌ ثُمَّ قَالَ هِيَ زَانِيَةٌ، وَفِي ذَلِكَ التَّلَاعُنُ) وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْذَابًا (فَكَذَلِكَ هَذَا).

.بَابُ: الْعِنِّينِ وَغَيْرِهِ:

(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ سَنَةً، فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهَا فِي الْوَطْءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِعِلَّةٍ مُعْتَرَضَةٍ، وَيَحْتَمِلُ لِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَقَدَّرْنَاهَا بِالسَّنَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ.
الشَّرْحُ:
بَابُ: الْعِنِّينِ وَغَيْرِهِ.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ وُجُوهِ أَحْكَامِ الْأَصِحَّاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحْكَامَ مَنْ بِهِ نَوْعُ مَرَضٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ بِهِ الْعَوَارِضُ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْأَصِحَّاءِ، وَالْعِنِّينُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِ النِّسَاءِ، مِنْ عُنَّ إذَا حُبِسَ فِي الْعُنَّةِ وَهِيَ حَظِيرَةُ الْإِبِلِ، أَوْ مِنْ عَنَّ إذَا عَرَضَ لِأَنَّهُ يَعِنُّ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقُومَ آلَتُهُ أَوْ لَمْ تَقُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَصِلَ إلَى الثَّيِّبِ دُونَ الْبِكْرِ أَوْ إلَى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ لِضَعْفٍ فِي خِلْقَتِهِ أَوْ لِكِبَرِ سِنِّهِ أَوْ لِسِحْرٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عِنِّينٌ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَصِلُ إلَيْهَا لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ فِي حَقِّهَا.
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا) أَيْ وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا (أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ سَنَةً) ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ الْخُصُومَةِ (فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا وَإِلَّا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلَيْهِ فَتْوَى فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ (وَلِأَنَّ حَقَّهَا ثَابِتٌ فِي الْوَطْءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِعِلَّةٍ مُعْتَرِضَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةِ مَعْرِفَةٍ لِذَلِكَ.
وَقَدَّرْنَاهَا بِالسَّنَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ) لِأَنَّ الْعَجْزَ قَدْ يَكُونُ لِفَرْطِ رُطُوبَةٍ فَيَتَدَاوَى بِمَا يُضَادُّهُ مِنْ الْيُبُوسَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الطَّبَائِعِ. فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَجْزَ بِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَفَاتَ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا لِأَنَّ التَّفْرِيقَ حَقُّهَا (وَتِلْكَ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي أُضِيفَ إلَى الزَّوْجِ فَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ فَسْخٌ لَكِنَّ النِّكَاحَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا تَقَعُ بَائِنَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً تَعُودُ مُعَلَّقَةً بِالْمُرَاجَعَةِ.
الشَّرْحُ:
(فَإِذَا مَضَتْ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَجْزَ بِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَفَاتَ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا) وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّرَ السَّنَةَ شَمْسِيَّةً أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ مُوَافَقَةُ الْعِلَاجِ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي يَقَعُ التَّفَاوُتُ فِيهَا بَيْنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ وَالشَّمْسِيَّةِ وَلَيْسَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ (وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا التَّفْرِيقَ) لِأَنَّهُ حَقُّهَا وَتِلْكَ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي أُضِيفَ إلَى الزَّوْجِ وَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ فَسْخٌ لِأَنَّهُ فُرْقَةٌ مِنْ جِهَتِهَا لَكِنْ النِّكَاحُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَنَا) يَعْنِي بَعْدَ التَّمَامِ، وَأَمَّا قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَيُقْبَلُ كَمَا فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَإِنَّمَا تَقَعُ التَّطْلِيقَةُ بَائِنَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً تَعُودُ مُعَلَّقَةً بِالْمُرَاجَعَةِ) وَهِيَ الَّتِي لَا تَكُونُ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً، أَمَّا الْأُولَى فَلِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْوَطْءُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهَا تَحْتَ زَوْجٍ فَلَا يَحْصُلُ لَهَا دَفْعُ الظُّلْمِ. (وَلَهَا كَمَالُ مَهْرِهَا إنْ كَانَ خَلَا بِهَا) فَإِنَّ خَلْوَةَ الْعِنِّينِ صَحِيحَةٌ (وَيَجِبُ الْعِدَّةُ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلِ هَذَا إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا (وَلَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِي الْوُصُولِ إلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ثُمَّ يَمِينُهُ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ وَالْأَصْلُ هُوَ السَّلَامَةُ فِي الْجِبِلَّةِ (ثُمَّ إنْ حَلَفَ بَطَلَ حَقُّهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ أُجِّلَ سَنَةً) لِظُهُورِ كَذِبِهِ (وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ يَحْلِفُ الزَّوْجُ، فَإِنْ حَلَفَ لَا حَقَّ لَهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ إنْ طَلَبَتْ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْجِيلِ (وَالْخَصِيُّ يُؤَجَّلُ كَمَا يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ) لِأَنَّ وَطْأَهُ مَرْجُوٌّ (وَإِذَا أُجِّلَ الْعِنِّينُ سَنَةً وَقَالَ قَدْ جَامَعْتُهَا وَأَنْكَرَتْ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ.
فَإِنْ قُلْنَ: هِيَ بِكْرٌ خُيِّرَتْ) لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ وَهِيَ الْبَكَارَةُ (وَإِنْ قُلْنَ: هِيَ ثَيِّبٌ حَلَفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ نَكَلَ خُيِّرَتْ) لِتَأَيُّدِهَا بِالنُّكُولِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا تُخَيَّرُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فِي الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارٌ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِبُطْلَانِ حَقِّهَا.
الشَّرْحُ:
(وَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ خَلَا بِهَا لِأَنَّ خَلْوَةَ الْعِنِّينِ صَحِيحَةٌ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ سَلَّمَتْ الْمُبْدَلَ مَعَ وُجُودِ الْآلَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَضَاءُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَيْثُ قَالَا: مَا ذَنْبُهُنَّ إذَا جَاءَ الْعَجْزُ مِنْ قِبَلِكُمْ (وَيَجِبُ الْعِدَّةُ) لِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ احْتِيَاطًا اسْتِحْسَانًا (لِمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي فِي بَابِ الْمَهْرِ هَذَا إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ بِعَدَمِ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَإِنْ ادَّعَاهُ وَأَنْكَرَتْهُ (فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ) حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلْوُصُولِ صُورَةً (وَالْأَصْلُ فِي الْجِبِلَّةِ السَّلَامَةُ) وَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ فَكَانَ كَالْمُودِعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ مَعْنًى وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا صُورَةً (ثُمَّ إنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ أَصَبْتهَا بَطَلَ حَقُّهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ النِّسَاءُ إلَيْهَا، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ أُجِّلَ سَنَةً، وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ يَحْلِفُ الزَّوْجُ) لِإِمْكَانِ أَنَّ بَكَارَتَهَا زَالَتْ بِوَجْهٍ آخَرَ فَيُشْتَرَطُ الْيَمِينُ مَعَ شَهَادَتِهِنَّ لِيَكُونَ حُجَّةً (فَإِنْ حَلَفَ لَا حَقَّ لَهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً) ثُمَّ كَيْفَ يَعْرِفُ أَنَّهَا بِكْرٌ أَوْ ثَيِّبٌ؟ قَالُوا: يَدْفَعُ فِي فَرْجِهَا أَصْغَرَ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضِ الدَّجَاجِ، فَإِنْ دَخَلَ بِلَا عُنْفٍ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ.
وَقِيلَ إنْ أَمْكَنَهَا أَنْ تَبُولَ عَلَى الْجِدَارِ فَبِكْرٌ وَإِلَّا فَثَيِّبٌ، وَقِيلَ تُكْسَرُ الْبَيْضَةُ فَتُصَبُّ فِي فَرْجِهَا فَإِنْ دَخَلَتْ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ) ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ حَلَفَ الزَّوْجُ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِرَاءَةَ لِلنِّسَاءِ مَرَّتَانِ: مَرَّةٌ قَبْلَ الْأَجَلِ لِلتَّأْجِيلِ وَمَرَّةٌ بَعْدَ الْأَجَلِ لِلتَّخْيِيرِ (فَإِنْ نَكَلَ خُيِّرَتْ لِتَأَيُّدِهَا بِالنُّكُولِ) أَيْ لِتَأَيُّدِ دَعْوَى الْمَرْأَةِ أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا بِنُكُولِ الزَّوْجِ عَنْ الْيَمِينِ (فَإِنْ حَلَفَ لَا تُخَيَّرُ) لِبُطْلَانِ حَقِّهَا (وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فِي الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارٌ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِبُطْلَانِ حَقِّهَا) وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ أَقَامَهَا أَعْوَانُ الْقَاضِي أَوْ قَامَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ شَيْئًا بَطَلَ خِيَارُهَا لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَخْيِيرِ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ وَذَلِكَ مُوَقَّتٌ بِالْمَجْلِسِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالتَّفْرِيقُ كَانَ لِحَقِّهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْإِسْقَاطِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً بِتَأْخِيرِ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ قَامَتْ أَوْ أُقِيمَتْ سَقَطَ حَقُّهَا فَلَا تُطَالِبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ أَمَرَ الْقَاضِي الزَّوْجَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَإِنْ أَبَى فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ. وَفِي التَّأْجِيلِ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ هُوَ الصَّحِيحُ وَيُحْتَسَبُ بِأَيَّامِ الْحَيْضِ وَبِشَهْرِ رَمَضَانَ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ وَلَا يُحْتَسَبُ بِمَرَضِهِ وَمَرَضِهَا لِأَنَّ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْهُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَفِي التَّأْجِيلِ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ هُوَ الصَّحِيحُ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا.
وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَجُزْءٌ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ الْيَوْمِ وَتُحْتَسَبُ بِأَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ يَعْنِي لَا يُعَوِّضُ عَنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ الْوَاقِعَةِ فِي مُدَّةِ أَيَّامِ التَّأْجِيلِ أَيَّامٌ أُخَرُ بَلْ هِيَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ مُدَّةِ التَّأْجِيلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَدَّرُوا مُدَّةَ التَّأْجِيلِ بِسَنَةٍ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْهَا أَيَّامَ الْحَيْضِ وَشَهْرَ رَمَضَانَ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ السَّنَةَ لَا تَخْلُو عَنْهَا (وَلَا يُحْتَسَبُ بِمَرَضِهِ وَمَرَضِهَا لِأَنَّ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَرَضِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى أَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ وَيُعَوَّضُ لِذَلِكَ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَيْهِ فَتْوَى الْمَشَايِخِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إذَا مَرِضَ أَحَدُهُمَا مَرَضًا لَا يَسْتَطِيعُ الْجِمَاعُ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ وَجَعَلَ لَهُ بَدَلَ مَكَانِهَا، وَكَذَلِكَ الْغَيْبَةُ لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ مَمْنُوعٌ فِي النَّهَارِ وَالنَّهَارُ بِدُونِ اللَّيْلِ يَكُونُ نِصْفَ الشَّهْرِ، فَثَبَتَ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا صَحِيحَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْ السَّنَةِ وَلَوْ فِي يَوْمٍ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِزَمَانِ الْمَرَضِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مَرَضَ أَحَدِهِمَا فِيمَا دُونَ الشَّهْرِ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ شَهْرًا لَا يُحْتَسَبُ وَيُزَادُ فِي مُدَّتِهِ بِقَدْرِ مُدَّةِ الْمَرَضِ. (وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ عَيْبٌ فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ: الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ وَالرَّتْقُ وَالْقَرْنُ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ حِسًّا أَوْ طَبْعًا وَالطَّبْعُ مُؤَيَّدٌ بِالشَّرْعِ.
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ» وَلَنَا أَنَّ فَوْتَ الِاسْتِيفَاءِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فَاخْتِلَالُهُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَالْمُسْتَحَقُّ هُوَ التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ.
الشَّرْحُ:
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ عَيْبٌ) أَيَّ عَيْبٍ كَانَ (فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ وَالرَّتَقُ) بِفَتْحِ التَّاءِ مَصْدَرُ قَوْلِك امْرَأَةٌ رَتْقَاءُ لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لِارْتِتَاقِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ: أَيْ لِانْسِدَادِهِ لَيْسَ لَهَا خَرْقٌ إلَّا الْمَبَالُ (وَالْقَرْنُ) بِسُكُونِ الرَّاءِ.
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَهُوَ إمَّا غُدَّةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ لَحْمَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أَوْ عَظْمٌ تَمْنَعُ مِنْ سُلُوكِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ وَامْرَأَةٌ قَرْنَاءُ بِهَا ذَلِكَ.
قَالَ: لِأَنَّهَا يَعْنِي الْعُيُوبَ الْخَمْسَةَ تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ حِسًّا أَوْ طَبْعًا، أَمَّا حِسًّا فَفِي الرَّتَقِ وَالْقَرْنِ، وَأَمَّا طَبْعًا فَفِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ لِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ تَنْفِرُ عَنْ جِمَاعِ هَؤُلَاءِ وَرُبَّمَا يَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ وَالطَّبْعُ مُؤَيَّدٌ بِالشَّرْعِ «قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ».
وَلَنَا أَنَّ فَوْتَ الِاسْتِيفَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ بِالْمَوْتِ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ حَتَّى لَا يَسْقُطَ شَيْءٌ مِنْ مَهْرِهَا، فَاخْتِلَالُهُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ أَوْلَى.
قِيلَ فِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ مُوَقَّتٌ بِحَيَاتِهِمَا (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ هَذِهِ الْعُيُوبِ لَا تُوجِبُ الْفَسْخَ (لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الثَّمَرَاتِ) وَفَوْتُ الثَّمَرَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ لِبَخَرٍ أَوْ ذَفَرٍ أَوْ قُرُوحٍ فَاحِشَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَقُّ هُوَ التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ، أَمَّا فِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْبَاقِيَيْنِ فَبِالشَّقِّ أَوْ الْفَتْقِ، وَقَوْلُهُ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ») الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفِرَارِ بِالطَّلَاقِ، وَكَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَ عَلَى كَشْحِهَا بَيَاضًا فَرَدَّهَا» مَحْمُولٌ عَلَى الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «قَالَ لَهَا الْحَقِي بِأَهْلِك» وَهَذَا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهَا الْخِيَارَ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. (وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجِ جُنُونٌ أَوْ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ فَلَا خِيَارَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَهَا الْخِيَارُ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، بِخِلَافِ جَانِبِهِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ بِالطَّلَاقِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخِيَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ لِأَنَّهُمَا يُخِلَّانِ بِالْمَقْصُودِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ، وَهَذِهِ الْعُيُوبُ غَيْرُ مُخِلَّةٍ بِهِ فَافْتَرَقَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الشَّرْحُ:
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجِ جُنُونٌ أَوْ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ فَلَا خِيَارَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهَا الْخِيَارُ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْوُصُولُ إلَى حَقِّهَا لِمَعْنًى فِيهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ فَتُخَيَّرُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا حَيْثُ لَا طَرِيقَ لَهَا سِوَاهُ، بِخِلَافِ جَانِبِهِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ بِالطَّلَاقِ (وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخِيَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ لِأَنَّهُمَا يُخِلَّانِ بِالْمَقْصُودِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ) وَهُوَ الْوَطْءُ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ النِّكَاحِ لِأَجْلِ الْوَطْءِ (وَهَذِهِ الْعُيُوبُ غَيْرُ مُخِلَّةٍ بِهِ فَافْتَرَقَا) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْوَطْءَ فِيمَا إذَا كَانَ بِالْمَرْأَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ خِيَارَ الْفَسْخِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ جَعَلَهُ الْمَقْصُودَ الْمَشْرُوعَ لَهُ النِّكَاحُ، وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودَ الْمَشْرُوعَ لَهُ النِّكَاحُ وَأَنْ لَا يَكُونَ بِاعْتِبَارِ الْمَوْضِعَيْنِ وَذَلِكَ تَحَكُّمٌ.
قُلْت: هَذَا السُّؤَالُ نَشَأَ مِنْ تَفْسِيرِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ بِالْوَطْءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُمَا يُخِلَّانِ بِهِ، بِخِلَافِ الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.